نجاة

بمِشيته المميزة المتفردة كان يقطع طريقا ممتدا بامتداد البصر علي شاطيء النيل الرابض مستكينا ﻻ يأبه لأمثاله، طلبت قدماه الراحة، أو ربما مل هو السير، فأراح جسده موجها بصره يم نيل مل أحاديثه التي لا تنتهي، وحيدا يأتيه بعد أن يذهب الجميع عنه، بعد أن يعلن الليل عن انتصافه بساعة أو يزيد، اعتاده النهر كما اعتاد غيره، لا يتهم كثيرا بالعابرين، وإن استحوذ هذا الغريب علي جزء ضئيل من اهتمامه، مختلف هو عن الأخرين، يأتيه ليلا دون الجميع، يأتي وحده وقد اعتاد هو أن يزوره المتيمون مثاني متشابكو الأيادي.

- لو سمحت ممكن أقعد جنبك

اخرجهما -النيل والجالس امامه - ذلك الغريب، كل عما هو متشاغل فيه، نظرة جانبية مندهشة، تشارك فيها الفتي الجالس مع النهر السائر إلي الأبد، لم تلك البقعة دون كل الشاطيء الطويل ! أفاق النيل من دهشته ليصاب بدهشة أكبر، إذ أجاب الفتي علي الطلب الغريب بالإيجاب!

لم يكد يمر القليل من الوقت حتى بادر الفتى بالحديث: ” ممكن أتكلم معاك؟ عايز أحكي لأي حد، بس يكون ما أعرفوش”. هل أصيب ذلك الغريب الجالس بجواره بالدهشة أم أنه لم يَعن له الأمر شيء، لم يستطع هذا الفتى أن يستبين شيئا من نظرة عينيه الجامدتين، نظرة جعلته يندم علي طلبه، بل علي قبوله بجلوس ذالك الغريب إلي جواره، لكنه لم يدعه يسترسل في أفكاره الخاصة، وأجابه باقتضاب أن “تفضل” .

علي ضوء نجمة تسلل من بين أكوام السحب التي تزاحمت في سماء ليلة شتوية قارسة البرودة، استطاع أن يستبين ملابسه الرثة، لم يهتم كثيرا وبدأ يفكر فيما يود أن يقوله …
= “تعرف، أنا مش عارف أنا عايز أقول أيه، بس نفسي أتكلم أوي، أتكلم لحد يسمعني مش للنيل ولا لنفسي ولا للقمر في الصيف! أنا أصلا مش عارف في أيه، بس ما بقتش طايق الدنيا الغريبة دي، أنا حاسس دايما إني غريب فيها، أنا بقالي تلت سنين مش بكلم حد، بجد، مش عارف أقول الكلام، ولا لاقي الكلام اللي يتقال، أنا قعدت مع نفسي كدا، وقعدت أسألها أنا فيّا أيه، بس معرفتش أجاوب ع السؤال، أنا تعبان أوي والله، بس مش عارف ليه، ولا عارف فيا أيه، وكل ما أحاول أعرف ألاقيني بغرق زيادة، أسئلة ملهاش أي أجابات، تعرف، زمان صديقة ما قالتلي، إن جوانا في عفاريت، وإن الطريق جوانا ضلمة جدا، أنا مش بهزر والله، ولا هي حتى كانت بتهزر، ومش قصدها العفاريت بتاعه العيال ولا الأساطير، قصدها أحنا اللي جوانا، عارف، في فيلم كدا قديم، بيقول فيه البطل إنك ف الأخر بتقابل نفسك، وأنا لا عارف أقابلها، ولا قادر، وخايف كمان، ومش مستعد، عارف، من شوية كدا كنت بقول إن الحاجة الوحيدة اللي هتحقق كل أحلامي هي الموت، دفعة واحدة، راحة أبدية، بجد، طوق النجاة اللي بيختار الوقت المناسب اللي ينقذنا فيه، مش قصدي أعكنن عليك والله وبكرة العيد، بس أنا أصلا مش بحب العيد، بطلت من زمان يكون ليه معني عندي، بقي مجرد أيام، تصدق، بقي كمان أيام سودا، بقت أرخم أيام، المرة دي نفسي طوق النجاة يُلقطني قبل ما بكره ييجي، أقدم نفسي قربان للنيل، زهقتك صح، أنا أسف، هسكت … “

لف ثلاثتهم صمت عميق، حتى النيل أبطأ سيره لكيلا يكسر الصمت الرتيب، كم أستمر الصمت، لم يدري الفتى، ولا النيل، لكن الغريب ذو الملابس الرثة كان هو من دنس جلالة الصمت المهيمن، أما الفتى الصامت، فجاءته أمنيته مٌلبية مهللة مكبرة، علي غير ما توقع.

شهقة واحدة، خيط دم ينساب من وريد في الرقبة، ليلامس القلب، ينساب ببطأ كما النيل الذي ألجمته المفاجأة، يحتضن الغريب رأسه في بطأ وجلال يليق بالموقف، يريحها ببطأ علي التراب، يُقبلها في خشوع، يقرأ الفاتحة، ويغادره في هدوء .

“والنيل ماشي طوالي”

-----
الجملة الأخيرة من قصيدة صلاح جاهين علي اسم مصر

2 comments:

حياه said...
This comment has been removed by the author.
Anonymous said...

أنت فين ياهندسه
ومش لاقياك ع الفيس بوك ولا هنا ولا حتى ع الموبايل
طمنا عليك
محتاجييييييييييييييييينك
:D